سيد قطب
2012
في ظلال القرآن
وحين يستجيب الناس - أو الجماعة منهم - لهذا القول ، فإن المجتمع المسلم يكون قد بدأ أولى خطواته في الوجود . وهذا المجتمع يكون حينئذ هو الوسط الواقعي الحي الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي الحي وينمو ، لمواجهة حاجات ذلك المجتمع المستسلم لشريعة اللّه فعلا . . فأما قبل قيام هذا المجتمع فالعمل في حقل الفقه والأحكام التنظيمية هو مجرد خداع للنفس ، باستنبات البذور في الهواء ، ولن ينبت الفقه الإسلامي في الفراغ ، كما أنه لن تنبت البذور في الهواء ! إن العمل في الحقل « الفكري » للفقه الإسلامي عمل مريح ! لأنه لا خطر فيه ! ولكنه ليس عملا للإسلام ؛ ولا هو من منهج هذا الدين ولا من طبيعته ! وخير للذين ينشدون الراحة والسلامة أن يشتغلوا بالأدب وبالفن أو بالتجارة ! أما الاشتغال بالفقه الآن على ذلك النحو بوصفه عملا للإسلام في هذه الفترة فأحسب - واللّه أعلم - أنه مضيعة للعمر وللأجر أيضا ! إن دين اللّه يأبى أن يكون مجرد مطية ذلول ، ومجرد خادم مطيع ، لتلبية هذا المجتمع الجاهلي الآبق منه ، المتنكر له ، الشارد عنه . . الذي يسخر منه الحين بعد الحين باستفتائه في مشكلاته وحاجاته ؛ وهو غير خاضع لشريعته وسلطانه . . إن فقه هذا الدين وأحكامه لا تنشأ في فراغ ، ولا تعمل في فراغ . . وإن المجتمع المسلم الخاضع لسلطان اللّه ابتداء هو الذي صنع هذا الفقه وليس الفقه هو الذي صنع ذلك المجتمع . . ولن تنعكس الآية أبدا . إن خطوات النشأة الإسلامية ومراحلها هي دائما واحدة ؛ والانتقال من الجاهلية إلى الإسلام لن يكون يوما ما سهلا ولا يسيرا . ولن يبدأ أبدا من صياغة الأحكام الفقهية في الفراغ ، لتكون معدة جاهزة يوم يقوم المجتمع الإسلامي والنظام الإسلامي . ولن يكون وجود هذه الأحكام المفصلة على « الجاهز » والناشئة في الفراغ هي نقطة البدء في التحول من الجاهلية إلى الإسلام . وليس الذي ينقص هذه المجتمعات الجاهلية لكي تتحول إلى الإسلام هو الأحكام الفقهية « الجاهزة » ! وليست الصعوبة في ذلك التحول ناشئة عن قصور أحكام الفقه الإسلامي الحاضرة عن ملاحقة حاجات المجتمعات المتطورة . . إلى آخر ما يخادع به بعضهم ، وينخدع به بعضهم الآخر ! كلا ! إن الذي يحول دون تحول هذه المجتمعات الجاهلية إلى النظام الإسلامي هو وجود الطواغيت التي تأبى أن تكون الحاكمية للّه ؛ فتأبى أن تكون الربوبية في حياة البشر والألوهية في الأرض للّه وحده . وتخرج بذلك من الإسلام خروجا كاملا . يعد الحكم عليه من المعلوم من الدين بالضرورة . . ثم هو بعد ذلك وجود جماهير من البشر تعبد أولئك الطواغيت من دون اللّه - أي تدين لها وتخضع وتتبع - فتجعلها بذلك أربابا متفرقة معبودة مطاعة . وتخرج هذه الجماهير بهذه العبادة من التوحيد إلى الشرك . . فهذا هو أخص مدلولات الشرك في نظر الإسلام . . وبهذا وذلك تقوم الجاهلية نظاما في الأرض ؛ وتعتمد على ركائز من ضلال التصور بقدر ما تعتمد على ركائز من القوة المادية : وصياغة أحكام الفقه لا تواجه هذه الجاهلية - إذن - بوسائل مكافئة . إنما الذي يواجهها دعوة إلى الدخول في الإسلام مرة أخرى ؛ وحركة تواجه الجاهلية بكل ركائزها ؛ ثم يكون ما يكون من شأن كل دعوة للإسلام في وجه الجاهلية . ثم يحكم اللّه بين من يسلمون للّه وبين قومهم بالحق . . وعندئذ فقط يجيء دور أحكام الفقه ، التي تنشأ نشأة طبيعية في هذا الوسط الواقعي الحي ، وتواجه حاجات الحياة الواقعية المتجددة